ابن تيمية
77
مجموعة الفتاوى
بِاعْتِبَارَاتِهَا بَعْدَ وُجُودِ النَّظَرِ الصَّحِيحِ فِي الدَّلِيلِ تُحَصِّلُ الْعِلْمَ ضَرُورَةً ؛ لَكِنْ مِنْهَا مَا هُوَ ضَرُورِيٌّ عِنْدَ تَصَوُّرِ طَرَفَيْ الْقَضِيَّةِ وَمِنْهَا مَا هُوَ ضَرُورِيٌّ بَعْدَ تَأَمُّلٍ وَنَظَرٍ وَمِنْهَا مَا هُوَ ضَرُورِيٌّ بَعْدَ النَّظَرِ فِي دَلِيلٍ ذِي مُقَدِّمَتَيْنِ أَوْ مُقَدِّمَاتٍ . فَقَالَ الشَّيْخُ الْعَارِفُ : نَحْنُ نَجِدُ الْعِلْمَ وَجْداً ضَرُورِيّاً بِالطَّرِيقِ الَّتِي نَسْلُكُهَا مِنْ تَزْكِيَةِ النَّفْسِ وَإِصْلَاحِ الْقَلْبِ الَّذِي هُوَ حَامِلُ الْعِلْمِ وَدَاعِيه فَكُلٌّ مِنْهُمَا يُفِيضُ اللَّهُ الْعِلْمَ عَلَى قَلْبِهِ وَيُنْزِلُهُ عَلَى فُؤَادِهِ ؛ وَلَكِنَّ أَحَدَهُمَا بِتَحْصِيلِ الْعِلْمِ الْمُقَارِنِ لِلْعِلْمِ الْمَطْلُوبِ الَّذِي هُوَ الْمُقَدِّمَاتُ وَالْآخَرُ بِإِصْلَاحِ طَالِبِ الْعِلْمِ الَّذِي يُرِيدُ أَنْ يَكُونَ عَالِماً - وَهُوَ الْقَلْبُ - بِمَنْزِلَةِ مَنْ يَخْطُبُ امْرَأَةً فَتَارَةً تَجَمَّلَ لَهَا وَتَعَرَّضَ حَتَّى رَأَتْهُ فَرَغِبَتْ فِيهِ وَخَطَبَتْهُ وَتَارَةً بِأَنْ أَرْسَلَ إلَيْهَا مَنْ تَأْنَسُ إلَيْهِ وَتُطِيعُهُ فَخَطَبَهَا لَهُ فَأَجَابَتْ فَكَانَ سَعْيُ الْأَوَّلِ وَعَمَلُهُ فِي إصْلَاحِ نَفْسِهِ وَتَعَرُّضُهُ لَهَا حَتَّى تَرْغَبَ وَكَانَ سَعْيُ الثَّانِي فِي تَحْصِيلِ الرَّسُولِ الْمُطَاعِ حَتَّى تُجِيبَ . وَبِمَنْزِلَةِ مَنْ يَصِيدُ صَيْداً . لَكِنْ مُجَرَّدُ النَّظَرِ وَالْعَمَلِ مُجْتَمِعَيْنِ وَمُنْفَرِدَيْنِ : لَا يُحَصِّلَانِ إلَّا أَمْراً مُجْمَلاً كَمَا هُوَ الْوَاقِعُ وَذَلِكَ صَحِيحٌ . فَإِنَّ ثُبُوتَ الْأَمْرِ الْمُجْمَلِ حَقٌّ ؛ فَإِنْ ضَمَّا إلَى ذَلِكَ مَا يُعْلَمُ بِنُورِ الرِّسَالَةِ مِن الأَمْرِ الْمُفَصَّلِ حَصَلَ الْإِيمَانُ النَّافِعُ وَزَالَ مَا يَخَافُ مِنْ سُوءِ عَاقِبَةِ ذَيْنِك الطَّرِيقَيْنِ . وَهَذِهِ حَالُ مَنْ تَحَيَّزَ مِنْ أَهْلِ النَّظَرِ الْكَلَامِيِّ وَالْعَمَلِ الْعِبَادِيِّ إلَى اتِّبَاعِ الرَّسُولِ وَالْإِيمَانِ بِهِ ؛ فَقَبِلَ مِنْهُ وَأَخَذَ عَنْهُ